تفسير سورة الإنسان تفسير البغوي

تفسير سورة الإنسان بواسطة تفسير البغوي هذا ما سنستعرض بإذن الله سويًا ،هي سورة مدنية وجاء ترتيبها 76 في المصحف الكريم وعدد آياتها 31.

تفسير آيات سورة الإنسان

تفسير هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)

قال عطاء : هي مكية وقال مجاهد وقتادة : مدنية . وقال الحسن وعكرمة : هي مدنية إلا آية وهي قوله : " فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا "
بسم الله الرحمن الرحيم
( هل أتى على الإنسان ) يعني آدم - عليه السلام - ( حين من الدهر ) أربعون سنة ملقى من طين بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح ( لم يكن شيئا مذكورا ) لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به . يريد : كان شيئا ولم يكن مذكورا ، وذلك من حين خلقه من طين إلى أن [ ينفخ ] فيه الروح .
روي أن عمر سمع رجلا يقرأ هذه الآية : " لم يكن شيئا مذكورا " فقال عمر : ليتها تمت ، يريد : ليته بقي على ما كان . قال ابن عباس : ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة .

تفسير إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)

( إنا خلقنا الإنسان ) يعني ولد آدم ( من نطفة ) يعني : مني الرجل ومني المرأة . ( أمشاج ) أخلاط ، واحدها : مشج ومشيج ، مثل خدن وخدين .
قال ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد والربيع : يعني ماء الرجل [ وماء المرأة ] يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد . فماء الرجل أبيض غليظ ، وماء المرأة أصفر رقيق ، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له ، وما كان من عصب وعظم فهو من نطفة الرجل ، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة .
وقال الضحاك : أراد بالأمشاج اختلاف ألوان النطفة ، فنطفة الرجل بيضاء وحمراء وصفراء ، ونطفة المرأة خضراء وحمراء [ وصفراء ] ، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس . وكذلك قال الكلبي : قال : الأمشاج البياض في الحمرة والصفرة . وقال يمان : كل لونين اختلطا فهو أمشاج . وقال ابن مسعود : هي العروق التي تكون في النطفة .
وقال الحسن : نطفة مشجت بدم ، وهو دم الحيضة ، فإذا حبلت ارتفع الحيض .
وقال قتادة : هي أطوار الخلق نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم [ عظما ] ثم يكسوه لحما ثم ينشئه خلقا آخر .
( نبتليه ) نختبره بالأمر والنهي ( فجعلناه سميعا بصيرا ) قال بعض أهل العربية : فيه تقديم وتأخير ، مجازه فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه ؛ لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة .

تفسير إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)

"إنا هديناه السبيل"، أي بينا له سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة، وعرفناه طريق الخير والشر. "إما شاكراً وإما كفوراً"، إما مؤمناً سعيداً وإما كافراً شقياً. وقيل: معنى الكلام الجزاء، يعني: بينا له الطريق إن شكر أو كفر.

تفسير إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4)

ثم بين ما للفريقين فقال: "إنا أعتدنا للكافرين سلاسل"، يعني: في جهنم. قرأ أهل المدينة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: سلاسلاً وقواريراً فقوارير بالألف في الوقف، وبالتنوين في الوصل فيهن جميعاً، وقرأ حمزة ويعقوب بلا ألف في الوقف، ولا تنوين في الوصل فيهن، وقرأ ابن كثير قوارير الأولى بالألف في الوقف وبالتنوين في الوصل، و سلاسل و قوارير الثانية بلا ألف ولا تنوين وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحفص سلاسلاً و قواريراً الأولى بالألف في الوقف على الخط وبغير تنوين في الوصل، و قوارير الثانية بغير ألف ولا تنوين. قوله "وأغلالاً" يعني: في أيديهم، تغل إلى أعناقهم، "وسعيراً"، وقوداً شديداً.

تفسير إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)

"إن الأبرار"، يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم المطيعين لربهم، واحدهم بار، مثل: شاهد وأشهاد، وناصر وأنصار، و بر أيضاً مثل: نهر وأنهار، "يشربون"، في الآخرة، "من كأس"، فيها شراب "كان مزاجها كافوراً"، قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. قال عكرمة: "مزاجها": طعمها، وقال أهل المعاني: أراد كالكافور في بياضه وطيب ريحه وبرده، لأن الكافور لا يشرب، وهو كقوله: "حتى إذا جعله ناراً" (الكهف- 96) أي كنار. وهذا معنى قول قتادة ومجاهد: يمازجه ريح الكافور. وقال ابن كيسان: طيبت بالكافور والمسك والزنجبيل. وقال عطاء والكلبي: الكافور اسم لـ"عين ماء في الجنة".

تفسير عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)

"عيناً"، نصب تبعاً للكافور. وقيل: هو نصب على المدح. وقيل أعني عيناً. وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى من عين، "يشرب بها"، قيل: يشربها والباء صلة وقيل بها أي منها، "عباد الله"، قال ابن عباس أولياء الله، "يفجرونها تفجيراً"، أي يقودونها حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم، كمن يكون له نهر يفجره ها هنا وها هنا إلى حيث يريد.

تفسير يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)

"يوفون بالنذر"، هذا من صفاتهم في الدنيا أي كانوا في الدنيا كذلك. قال قتادة: أراد يوفون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة، وغيرها من الواجبات، ومعنى النذر: الإيجاب.
وقال مجاهد وعكرمة: إذا نذروا في طاعة الله وفوا به.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". "ويخافون يوماً كان شره مستطيراً"، فاشياً ممتداً، استطار الصبح، إذا امتد وانتشر. قال مقاتل: كان شره فاشياً في السموات فانشقت، وتناثرت الكواكب، وكورت الشمس والقمر، وفزعت الملائكة، وفي الأرض: فنسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء.

تفسير وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)

"ويطعمون الطعام على حبه"، أي على حب الطعام وقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه. وقيل: على حب الله عز وجل، "مسكيناً"، فقيراً لا مال له، "ويتيماً"، صغيراً لا أب له "وأسيراً"، قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء: هو المسجون من أهل القبلة. وقال قتادة: أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك. وقيل: الأسير المملوك. وقيل: المرأة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان" أي أسراء. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً ويتيماً وأسيراً. وروى مجاهد وعطاء عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك أنه عمل ليهودي بشيء من شعير، فقبض الشعير فطحن ثلثه فجعلوا منه شيئاً ليأكلوه، فلما تم إنضاجه أتى مسكين فسأل فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك: وهذا قول الحسن وقتادة، أن الأسير كان من أهل الشرك، وفيه دليل على أن إطعام الأسارى، وإن كانوا من أهل الشرك، حسن يرجى ثوابه.

تفسير إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)

"إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً"، والشكور مصدر كالعقود والدخول والخروج. قال مجاهد وسعيد بن جبير: إنهم لم يتكلموا به ولكن علم الله ذلك من قلوبهم، فأثنى عليهم.

تفسير إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)

( إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا ) تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته ، نسب العبوس إلى اليوم ، كما يقال : يوم صائم وليل قائم . وقيل : وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدة ( قمطريرا ) قال قتادة ، ومجاهد ، ومقاتل : " القمطرير " : الذي يقبض الوجوه والجباه بالتعبيس . قال الكلبي : العبوس الذي لا انبساط فيه ، و " القمطرير " الشديد . قال الأخفش : " القمطرير " أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء . يقال : يوم قمطرير وقماطر إذا كان شديدا كريها ، واقمطر اليوم فهو مقمطر .

تفسير فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)

"فوقاهم الله شر ذلك اليوم"، الذي يخافون، "ولقاهم نضرةً"، حسناً في وجوههم، "وسروراً"، في قلوبهم.

تفسير وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)

"وجزاهم بما صبروا"، على طاعة الله واجتناب معصيته، وقال الضحاك: على الفقر. وقال عطاء: على الجوع. "جنةً وحريراً"، قال الحسن: أدخلهم الله الجنة وألبسهم الحرير.

تفسير مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13)

"متكئين"، نصب على الحال، "فيها" في الجنة، "على الأرائك"، السرر في الحجال، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا، "لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً"، أي صيفاً ولا شتاء. قال مقاتل: يعني شمساً يؤذيهم حرها ولا زمهريراً يؤذيهم برده، لأنهما يؤذيان في الدنيا. والزمهرير: البرد الشديد.

تفسير وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14)

"ودانيةً عليهم ظلالها"، أي قريبة منهم ظلال أشجارها، ونصب "دانيةً" بالعطف على قوله: "متكئين"، وقيل: على موضع قوله: "لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً" ويرون "دانيةً"، وقيل: على المدح، "وذللت"، سخرت وقربت، "قطوفها"، ثمارها، "تذليلاً"، يأكلون من ثمارها قياماً وقعوداً ومضجعين ويتناولونها كيف شاؤوا على أي حال كانوا.

تفسير وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15)

"ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريراً".